المنجي بوسنينة
121
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
أحمد بن أبات ، كما أخذ النحو وغيره من علوم اللغة عن العلامة محمد الحسن بن الشيخ عبد الرحمن بن أبات . وقد استطاع سيدي محمد بن بادي أن يواكب مختلف الفروع المعرفية التي تدرس في هذه المحضرة العريقة وأن يستوعب جملة من العلوم في آن معا ، حتى نبغ فيها جميعا خلال فترة وجيزة ، تساعده في ذلك همة عالية وبصيرة نافذة وذكاء ثاقب . وهكذا كان تضلعه من علوم الظاهر إلى جانب التربية الروحية التي أسداها إليه والده عاملا في تكوين شخصيته بشكل متوازن . وسنرى أثر ذلك في عطائه المعرفي الذي اتسم بتكامل علوم الحقيقة والشريعة . على أن سيدي محمد لم يقتصر في مسيرته العلمية على مرحلة التحصيل في محضرة أهل أبات ، وإنما استمر في بحثه الدؤوب عن مصادر أخرى للمعرفة ، يحدوه ولع كبير للاطلاع على مكامن الثروة العلمية في منطقته وخارجها ، فكانت له اتصالات واسعة بالعلماء المعاصرين له أخذا وعطاء ، وعرف عنه شغفه بلقيا كل من يأنس فيه فضلا أو صلاحا ، وكان لا يسمع لأحد منهم حلّ قريبا إلا زاره وأفاده واستفاد منه ، وكثيرا ما تجشم عناء الرحلة ليصل إلى أحدهم رغم بعد الشقة . وقد حدثنا الفاضل ابنه محمد يحيى أنه كان حتى آخر عمره يقوم برحلة سنوية من تكانت إلى غورغول يتتبع فيها معاقل العلم ومزارات الصالحين توخيا للاستزادة من العلوم ، عملا بالآية الكريمة : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] ، وتعرضا للنفحات الربانية ، وبذلك نرى تواضعه الجم وحرصه على إحراز الخير حيثما وجد ، طالبا العلم من المهد إلى اللحد ، لا تصرفه عن ذلك ألقاب المشيخة التي يحملها . ومن أشهر الفضلاء الذين شد إليهم الشيخ سيدي محمد الرحال ، الشيخ أحمد بن آدبه ، والجيلي بن أحمد امبوسيف ، وهما من قبيلة كنته ، والشيخ محمد الحسين بن باباه العلوي ، وبدين بن عبد الرحمن الجكني ، وسيدنا ابن الإمام من قبيلة أهل أبات وغيره من أعيان محضرة أهل أبات ، وفي منطقة لبراكنه التقى الشيخ عبد الرحمن بن بلال ، والشيخ محمد الخليفة بن محمد بن أحمد ، وغيرهم كثيرين . وقد تمخضت هذه اللقاءات عن تلاقح للأفكار وتقارب وجهات النظر في مسائل شائكة كالعلاقة بين الفقهاء والمتصوفة ، والتعريف بدعوة الشيخ سيدي محمد بن بادي إلى التصوف السني النقي من الشوائب والبدع كما سنرى في استعراضنا لمؤلفاته . بيد أنّ الرحلة التي كان لها الأثر الحاسم ، وشكلت منعطفا في حياة الشيخ سيدي محمد كانت رحلته ومقامه مع الشيخ أحمد بن أبي المعالي التاقاطي ، الذي أخذ عنه الطريقة القادرية ، وارتبط به ارتباطا روحيا عميقا ، وهو الذي انتدبه لبث التعاليم القادرية وكان أمين سره ومحل ثقته ، حتى أثر عنه قوله : « من كان مع سيدي محمد فأنا منه وهو مني » ، وبذلك انتشرت الطريقة في الأوساط التي كانت على احتكاك مباشر بالشيخ سيدي محمد سواء كانوا من أهله أو من غيرهم ، وقد طغت النزعة الصوفية على هذا العالم الزاهد واستحوذت على القسط الأوفر من